ما تكشفه بيانات سلاسل الإمداد عن المخاطر المقبلة: من الفاعلية إلى التعقيد المستدام
لم تصبح سلاسل الإمداد “استراتيجية” فجأة بسبب تغيّر آراء القادة، بل لأن السنوات الخمس إلى الست الأخيرة أظهرت من خلال البيانات مدى هشاشة الشبكات المصممة لتحقيق الكفاءة عندما تبقى الظروف غير مستقرة.
أظهرت أبحاث معهد ماكينزي العالمي أن الاضطرابات التي تستمر لشهر أو أكثر تحدث الآن بمتوسط كل 3.7 سنوات، وهي ليست مجرد مشاكل تشغيلية، بل تتحول إلى عبء مالي كبير. وتشير التقديرات إلى أن هذه الاضطرابات قد تكلف المؤسسات المتوسطة حوالي 45% من أرباح سنة كاملة خلال عقد من الزمن. هذا التحليل يغيّر النظرة إلى الاضطراب من كونه حدثاً نادراً إلى كونه ظاهرة متكررة يجب التخطيط لها.
التغيرات بين 2019 و2025
استجابت الشركات عبر تنويع الموردين، وتخزين احتياطي، وتغيير مواقع الشراء، إلا أن الرؤية الشاملة بقيت محدودة. غالباً ما تملك المؤسسات معرفة جيدة بالموردين المباشرين، لكنها تفتقد الشفافية في مستويات سلسلة الإمداد الأبعد.
أظهرت أبحاث EcoVadis أن 30% فقط من الشركات لديها رؤية تتجاوز الموردين المباشرين، فيما ذكر أحد المستشارين أن «لا توجد أي شركة كبيرة على مستوى العالم تمتلك رؤية كاملة لسلسلة الإمداد». ببساطة، الخطر يتراكم حيث تتوقف البيانات.
وأكدت استطلاعات Gartner في أكتوبر 2024 أن الاضطراب في سلسلة الإمداد أصبح العامل الرئيسي الذي يحدد نجاح الشراء، إذ أشار 42% من قادة المشتريات إلى أن الاضطرابات هي أكبر المخاطر التي تواجههم.
المرونة: أولوية جديدة وتحديات التكلفة
مع اعتماد المرونة كأساس للتخطيط، ظهرت الأسئلة المالية: ما مقدار التكرار الذي يمكن تحمله؟
أوضح تقرير BCG حول «تكلفة المرونة» أن النموذج الجديد يوازن بين القدرة التنافسية من حيث التكلفة والمرونة التشغيلية، دون التضحية بالهوامش. الهدف هو تحقيق التوازن الصحيح بين الكفاءة المالية وسرعة الاستجابة.
الخمس إلى عشر سنوات المقبلة: البيانات والطاقة تتحولان من محفزات إلى قيود
سيهيمن على المستقبل عاملان رئيسيان: كثافة البيانات المطلوبة في العمليات، والطاقة اللازمة لتشغيلها.
يشير تحليل الوكالة الدولية للطاقة حول الطاقة والذكاء الاصطناعي إلى أن الكهرباء المطلوبة لتشغيل مراكز البيانات سترتفع من 460 تيراواط/ساعة في 2024 إلى أكثر من 1000 تيراواط/ساعة في 2030، وإلى 1300 تيراواط/ساعة في 2035، مع نطاق تقديري بين 700 و1700 تيراواط/ساعة حسب السيناريوهات.
هذا يعني أن العمليات الرقمية وتحسين سلسلة الإمداد أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الطاقة، في وقت لا يزال توسع الشبكات الكهربائية بطيئاً ومحل نزاع. بالتالي، ستظهر المخاطر الجديدة ليس فقط في الموردين والمسارات، بل في البنية التحتية التي تدعم الرؤية الشاملة، والأتمتة، وتقارير الامتثال، والتنفيذ في الوقت الفعلي.
ما يعنيه هذا لقادة الأعمال في ختام دورات التخطيط لعام 2026
تؤكد البيانات الأخيرة أن الاضطراب أصبح متكرراً بما يكفي ليتم نمذجته، وأن فجوات الرؤية لا تزال استراتيجية، وأن المرونة تأتي مع تكلفة حقيقية.
ومن المتوقع أن تتفاقم هذه الديناميات خلال الخمس إلى عشر سنوات المقبلة، حيث سيصبح أداء سلاسل الإمداد مرتبطاً بجودة البيانات وتوافر الطاقة بقدر ارتباطه بأدوات الشراء التقليدية.
المرحلة القادمة من استراتيجيات سلسلة الإمداد ستتحدد بمدى قدرة المؤسسات على إدارة أنظمة المعلومات والطاقة التي أصبحت الآن جوهرية لنجاح العمليات.
تعليقات الزوار