مخاطر التحول المناخي تسير في اتجاهين
منذ اعتماد اتفاق باريس للمناخ 2015، ركّزت الجهات الرقابية المصرفية العالمية على إدارة مخاطر التحول المناخي. وتشير هذه المخاطر إلى احتمال أن تؤدي التغيرات في السياسات الحكومية أو الأحكام القانونية أو التكنولوجيا أو طلب السوق إلى جعل تقنيات الوقود الأحفوري أو الطاقة المتجددة أكثر أو أقل قيمة.
غير أن الجهات التنظيمية قدّمت هذه المخاطر في الغالب بصورة أحادية الاتجاه، مفادها أن الاستثمارات الخضراء تقلل من المخاطر. وتركّز هذا الطرح على احتمال تكبّد البنوك خسائر عند تمويل مشاريع الوقود الأحفوري إذا تم تطبيق سياسات تهدف إلى خفض الانبعاثات الكربونية. فعلى سبيل المثال، إذا موّل بنك مشروعًا يعتمد على الوقود الأحفوري وتراجعت قيمته نتيجة فرض ضريبة كربونية، فقد يتعرض البنك لخسائر.
كما أن مبادرات مثل مبادرة الأهداف القائمة على العلم تفترض أن المخاطر تظهر فقط عندما لا تنتقل البنوك من تمويل الوقود الأحفوري إلى مشاريع الطاقة النظيفة.
مخاطر مهملة في الطاقة المتجددة
في المقابل، تم تجاهل المخاطر المرتبطة بتمويل مشاريع الطاقة المتجددة. فإذا قام بنك بتمويل مشروع طاقة خضراء، ثم فقد المشروع قيمته نتيجة إلغاء دعم حكومي، فقد يتكبد البنك خسائر أيضًا. وبالتالي، فإن مخاطر التحول ليست أحادية، بل مزدوجة الاتجاه.
وقد حذّرت أبحاث "معهد سياسات البنوك" مرارًا من أن المخاطر تشمل كلا النوعين من الاستثمارات، مشيرة إلى أن الافتراض بأن التحول يسير في اتجاه واحد قد يؤدي إلى قرارات مالية خاطئة وخسائر محتملة.
تحولات سوق السيارات الكهربائية
تشير البيانات الحديثة إلى تباطؤ نمو مبيعات السيارات الكهربائية عالميًا. فبعد نمو قوي في 2025، يُتوقع أن يتراجع هذا النمو في 2026، خاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية.
ويرتبط هذا التباطؤ بعدة عوامل، منها:
- تقليص الحوافز الضريبية
- انخفاض الدعم الحكومي
- ضعف الطلب في بعض الأسواق
كما تكبدت شركات كبرى مثل فورد وجنرال موتورز وستيلانتس خسائر ضخمة في قطاع السيارات الكهربائية، حيث بلغت الخسائر التراكمية نحو 140 مليار دولار بين 2022 و2025، بمتوسط خسارة يصل إلى 25 ألف دولار لكل سيارة.
تحديات قطاع الطاقة الشمسية
رغم استمرار نمو الطاقة الشمسية عالميًا، إلا أن القطاع يواجه ضغوطًا مالية. ففي الولايات المتحدة، شهدت السوق نحو 125 حالة إفلاس لشركات الطاقة الشمسية بين 2021 و2024، نتيجة:
- ارتفاع أسعار الفائدة
- نقص العمالة
- التغيرات في السياسات
كما أدى تعديل نظام الحوافز في ولاية كاليفورنيا إلى خفض العوائد بنسبة تصل إلى 75%، ما قلل من جاذبية الاستثمار.
وفي إسبانيا، أدى التوسع السريع في إنتاج الطاقة الشمسية إلى انخفاض الأسعار إلى مستويات صفرية أو سلبية أحيانًا، ما تسبب في تراجع قيمة الأصول وزيادة الضغوط على الشركات.
تداعيات على القطاع المصرفي
تُظهر هذه التطورات أن الاستثمار في الطاقة المتجددة ليس خاليًا من المخاطر، حتى مع استمرار نمو القطاع. فالتغيرات السياسية أو السوقية يمكن أن تؤدي إلى خسائر، سواء في المشاريع التقليدية أو الخضراء.
كما أن اعتماد الجهات التنظيمية على سيناريوهات تفترض اتجاهًا واحدًا للتحول قد يؤدي إلى:
- تحيز نتائج اختبارات الضغط
- تقليل تنوع المحافظ الاستثمارية
- التقليل من تقدير المخاطر الحقيقية
الخلاصة
تؤكد التجارب الحديثة أن مخاطر التحول المناخي معقدة ومتعددة الاتجاهات. فبينما يمكن أن تحقق الاستثمارات الخضراء مكاسب، فإنها قد تتعرض أيضًا لخسائر بسبب تغير السياسات أو ظروف السوق.
لذلك، ينبغي على البنوك:
- تقييم كل مشروع بشكل مستقل
- تجنب الافتراضات المبسطة
- اعتماد سيناريوهات متعددة الاتجاهات
كما يتعين على الجهات التنظيمية تطوير نماذج أكثر واقعية تأخذ في الاعتبار احتمال تغير السياسات والتوجهات الاقتصادية، بما يضمن استقرار النظام المالي على المدى الطويل.
تعليقات الزوار