تركيا تفتح بوابات سدها الأكبر ولكن ليس خوفاً على الشعب السوري أو العراقي
ما يعجز البشر عن تحقيقه من عدالة، تفرضه الطبيعة بالقوة عندما تثور. فبعد سبع سنوات من سياسة الحرمان المائي الوحشية التي تنتهجها الجمهورية التركية ضد شعبي سوريا والعراق — والمدفوعة بالابتزاز السياسي لكلا البلدين والأنانية المفرطة دون أي اعتبار للاتفاقيات أو المواثيق الدولية — أُجبرت الدولة التركية على فتح بوابات سد أتاتورك، أكبر السدود التركية المقامة على نهر الفرات، وذلك بسبب وصول بحيرة السد إلى طاقتها التخزينية القصوى عقب موجات هطول الأمطار والثلوج الغزيرة التي اجتاحت المنطقة خلال فصلي الشتاء والربيع؛ مما شكل تهديداً لسلامة السد، بما في ذلك مخاطر حدوث فيضانات، أو ضغوط مفرطة على بنيته التحتية، أو حتى الانهيار.
وينطبق المثل القائل "مصائب قوم عند قوم فوائد" تماماً على تركيا وسوريا والعراق؛ فما اعتبرته السلطات التركية كارثة وخطراً يلوح في الأفق يهدد السد والمنطقة المحيطة به، كان بمثابة منفعة عظيمة لسوريا والعراق، لا سيما المناطق الواقعة على امتداد نهر الفرات والممتدة من تركيا عبر سوريا ووصولاً إلى العراق.
ولا تقتصر هذه التدفقات المائية على تقديم منافع مائية مباشرة فحسب، بل ستسهم أيضاً في إحياء الزراعة، وتربية الماشية، وبعض الصناعات، فضلاً عن توليد الكهرباء وتوفير الطاقة النظيفة. وقد تساعد كذلك في خفض أسعار المنتجات الزراعية والحيوانية وتنشيط اقتصاد كلا البلدين، شريطة أن تستمر تركيا — وإن كان على مضض — في إبقاء بوابات سدها الأكبر مفتوحة.
وكانت جميع المفاوضات السابقة والضغوط الدبلوماسية والشكاوى المقدمة من سوريا والعراق قد فشلت في إلزام تركيا باحترام اتفاقيات المياه الدولية الموقعة بينهما، مثل اتفاقيتي عامي 1987 و1989، اللتين تنصان على وجوب أن تضمن تركيا تدفقاً سنوياً بمعدل يتجاوز 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية السورية.
ووفقاً لهذه الاتفاقيات، تبلغ حصة سوريا 6.627 مليار متر مكعب سنوياً، وحصة العراق 9.106 مليار متر مكعب، بينما تبلغ حصة تركيا 15.7 مليار متر مكعب باعتبارها دولة المنبع. ومع ذلك، وبسبب سياسات الأنانية والابتزاز السياسي، استحوذت تركيا — التي تمتلك بالفعل الحصة الأكبر المخصصة بموجب الاتفاقيات — على أكثر من 90% من مياه نهري دجلة والفرات.
فتح بوابات سد أتاتورك... ليس حباً
وفيما يتعلق بإطلاق السلطات التركية لمياه الفرات، قال جوزيف صليوا، رئيس اتحاد بيت نهرين الوطني (HBA)، لوكالة "سيريان برس" (SyriacPress) إن فتح تركيا لبوابات السد ليس نابعاً من حبها لسوريا أو العراق أو شعبيهما. وأضاف أن تركيا انتهجت سياسة عدائية تجاه العراق عندما عانت المنطقة من شح الأمطار أو انعدامها، وهي السياسة التي ألحقت أضراراً جسيمة بالقطاع الزراعي وساهمت في انتشار الأمراض جراء نقص المياه والجفاف.
وأوضح صليوا أن تركيا أطلقت مستويات مياه أعلى نحو سوريا والعراق بسبب الأمطار الغزيرة التي شهدتها المنطقة وخوفاً على مصالح أنقرة الخاصة.
وشدد على ضرورة أن تتبنى السلطات العراقية استراتيجيات أفضل لضمان الأمن المائي للعراق ورفاهية مواطنيه، وإعادة التفكير في سياساتها المائية المستقبلية من خلال ممارسة ضغوط أكبر على الجانب التركي للحصول على حصة العراق المقررة وفقاً للاتفاقيات الدولية. كما أكد على أهمية البدء في بناء السدود التي من شأنها أن تعمل كخزانات مياه رئيسية واحتياطيات استراتيجية.
تعليقات الزوار