معركة تهدئة الفيالق الأجنبية في سوريا
بقلم: نانار هواش - محلل أول، سوريا - وجيروم دريفون -معهد الدراسات العليا الدولية والتنمية في جنيف
لا يزال هناك نحو 5,000 مقاتل أجنبي ممن ساعدوا في الإطاحة بنظام الرئيس السابق بشار الأسد يحملون السلاح في سوريا، مما يشكل مشكلة كامنة للحكومة المؤقتة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. ففي الأيام الحافلة التي أعقبت إطاحة الأسد في أواخر عام 2024، كان أمام "هيئة تحرير الشام" — الفصيل المتمرد الذي قاد الهجوم المنتصر نحو دمشق — بضعة أسابيع فقط لملء الفراغ الأمني الذي خلفه انهيار النظام.
وتمثّل جزء من حلّها في دمج المقاتلين الأجانب في قواتها المسلحة الجديدة. وكان معظم هؤلاء الأجانب قد انجذبوا في البداية إلى سوريا للانضمام إلى فصائل جهادية كانت تقاتل نظام الأسد إلى جانب متمردين آخرين. ويشكل الإيغور القادمون من الصين نحو ثلثي هؤلاء، بينما البقية من العرب غير السوريين، أو من آسيا الوسطى، أو أوروبيين.
وبدا هذا الخيار منطقياً في ذلك الوقت؛ إذ كانت هيئة تحرير الشام، في واقع الأمر، توظف مسلحين غير سوريين لترسيخ حكمها وإحلال الاستقرار في البلاد، مع استرضائهم بمنحهم مناصب محترمة في نظام ما بعد الأسد. ومع ذلك، لم يكن واضحاً للعديد من السوريين والمراقبين الخارجيين على حد سواء ما إذا كان قد تم كبح جماح هؤلاء المقاتلين الأجانب أم إطلاق يدهم.
أثار نهج الحكومة جملة من المخاوف، سواء بين السوريين الذين يخشون نشوء نظام أصولي، أو الشركاء الدوليين الذين يقلقهم امتلاك البعض داخل صفوف المقاتلين الأجانب لأجندات عابرة للحدود.
ويرى العديد من منتقدي الحكومة في قرار إيجاد عمل مفيد للمقاتلين مؤشراً على نية تحويل سوريا إلى دولة إسلامية سلطوية. وقد عمقت الأحداث على الأرض هذه المخاوف؛ فخلال موجة العنف ضد المدنيين العلويين على الساحل والدروز في السويداء عام 2025، تورط مقاتلون أجانب في حوادث شملت القتل، والنهب، وتدمير الممتلكات، وأعمالاً أخرى هدفت إلى إهانة السكان المحليين، وإن كان ينبغي القول إن السوريين ارتكبوا الجزء الأكبر من هذه الانتهاكات.
من جانبهم، منح شركاء سوريا الخارجيون الحكومة — (إلى حد كبير) — الحرية لإدارة ملف المقاتلين كما تراه مناسباً، لكن هذا لا يعني أن مخاوفهم قد تبددت تماماً. فقد أبدت الولايات المتحدة والصين ودول أخرى استعداداً لإقامة علاقات مع حكومة في دمشق تقودها فعلياً هيئة تحرير الشام، وهي جماعة مسلحة انشقت عن تنظيم القاعدة عام 2016 لتبني أجندة إسلامية وطنية.
إلا أن العديد من العواصم لا تزال حذرة من المقاتلين الأجانب، على خلفية أن بعضهم قد لا يزال يحمل تطلعات أكثر راديكالية ويسعى للتحريض على العنف في بلدانهم الأصلية. وأوضح مسؤولون من عدة دول غربية وغير غربية، لا سيما الصين، أن الخطوات الحكومية لضمان عدم تشكيل الأجانب لأي خطر ستكون عاملاً مهماً في تقييمهم للقيادة السورية الجديدة.
وفي غضون ذلك، غيّرت الأشهر السبعة عشر التي انقضت منذ سقوط الأسد الحسابات بشكل كبير بالنسبة لحكومة الشرع. فقد نالت الحكومة اعترافاً دولياً واسعاً، وبسطت دمشق سيطرتها على كامل البلاد تقريباً، بما في ذلك شمال شرق البلاد الذي كان يتمتع بالحكم الذاتي سابقاً، حيث بدأت في دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد في أجهزة الدولة المركزية.
وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن قيمة المقاتلين الأجانب كقوة تحقيق استقرار قد تراجعت. لكن السلطات ليست في عجلة من أمرها لتسريحهم، فضلاً عن الطلب منهم مغادرة سوريا؛ إذ تخشى مؤسسات الدولة أن يؤدي اتخاذ إجراءات ضد هذه الجماعات إلى دفع المقاتلين الأفراد نحو تنظيم داعش أو تنظيمات جهادية أخرى تعارض نظام ما بعد الأسد. وترى دمشق مبرراً ضئيلاً للمخاطرة بزعزعة الترتيبات الحالية، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها ترى تكلفة الإبقاء عليها منخفضة.
ونتيجة لذلك، تبدو دمشق ميالة إلى الحفاظ على الوضع الراهن للمقاتلين الأجانب، على الأقل في الوقت الحالي. ولكن، بما أن سوريا لا تزال عرضة للاضطرابات، فإن الاستمرار في الاعتماد على هؤلاء المقاتلين المتمرسين في الحروب ينطوي على مخاطر. فقد يتورطون مجدداً في العنف الطائفي، على سبيل المثال، أو يتم تجنيدهم من قبل تنظيم داعش. كما يدير بعضهم (أو يمتلك نفوذاً على) مدارس ومرافق تعليمية أخرى يمكنهم من خلالها نشر الأفكار الجهادية. وينبغي على دمشق التفكير في إصلاحات مدروسة تحد من هذه المخاطر، مع الإبقاء على الإطار العام للترتيبات سليماً.
لماذا كان الدمج خياراً منطقياً؟
بعد استيلائها على السلطة في دمشق، واجهت قيادة هيئة تحرير الشام مسألة ما يجب فعله بالمقاتلين الأجانب، الذين أسهم دورهم — كأعضاء في مجموعات متمردة متنوعة خلال التمرد الطويل ضد حكم الأسد — في نجاحها. ينتمي نحو ثلثي المقاتلين الأجانب إلى الحزب الإسلامي التركستاني، وهو جماعة مسلحة إيغورية تحتفظ أيضاً بوجود صغير في أفغانستان تحت حكم طالبان.
وتضم البقية مئات الأوزبك والآذريين والشيشان والعرب ومواطني دول غرب أوروبا. ولا تزال عدة فصائل من فصائلهم المنحلة حالياً مصنفة كمنظمات إرهابية من قبل مجلس الأمن الدولي والحكومات الغربية بسبب صلات مزعومة بتنظيم القاعدة. وينطبق الأمر نفسه على بعض قادتهم، حتى بعد أن شطب مجلس الأمن هيئة تحرير الشام نفسها من قائمة العقوبات في نهاية فبراير.
ولم يكن هناك حل سهل لمعضلة الحكام الجدد؛ إذ كان ترحيل المقاتلين أمراً غير عملي، لأن معظم بلدانهم الأصلية كانت ترفض استقبالهم أو تهدد بمحاكمتهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، كما لم تعرض أي دولة ثالثة منحهم اللجوء. ولم يكن نزع سلاحهم بالقوة واقعياً أيضاً، لأنه ينطوي على خطر إثارة مقاومة عنيفة أو دفع المقاتلين نحو الجهاد العابر للحدود الذي قطعت هيئة تحرير الشام صلتها به.
علاوة على ذلك، كان من الممكن أن تتفاعل أجزاء من القواعد الشعبية للحكومة الجديدة بغضب لو تحركت للتضحية برفاق السلاح السابقين. ومع ذلك، فإن ترك آلاف المقاتلين المستعدين للقتال خارج سيطرة الدولة أثار شبح الميليشيات غير المنضبطة التي تقوض جهود إعادة إعمار سوريا. كما أن الآفاق الاقتصادية الضعيفة لهؤلاء المقاتلين جعلت الانتقال إلى الحياة المدنية أمراً غير ممكن.
وعند التفكير في هذه المشكلة، استقرت هيئة تحرير الشام سريعاً على الاستراتيجية نفسها التي استخدمتها في إدلب، وهي البقعة الواقعة شمال غربي سوريا والتي سيطرت عليها في الجزء الأخير من الحرب الأهلية: احتواء المقاتلين الأجانب مع استخدامهم، عند الحاجة، في المعارك. وبحلول عام 2020، كانت هيئة تحرير الشام قد أجبرت جميع الفصائل الأخرى في إدلب على قبول سلطة "غرفة العمليات العسكرية" التابعة لها.
وبموجب هذا الترتيب، شارك المقاتلين الأجانب في القتال بقيادة هيئة تحرير الشام، لكن القرارات القيادية ظلت حكراً على الهيئة والفصائل السورية الكبيرة الأخرى، مثل أحرار الشام وفيلق الشام، والتي كانت بالمثل جزءاً من غرفة العمليات. وانتهى الأمر بهيئة تحرير الشام بالاستفادة بشكل كبير من براعة المقاتلين الأجانب وحماسهم، بما في ذلك خلال الحملة النهائية التي أسقطت الأسد.
وبعد ديسمبر 2024، وسعت السلطات الجديدة نطاق هذا النموذج على مستوى البلاد، حيث خيرت المقاتلين الأجانب (والفصائل السورية غير التابعة لهيئة تحرير الشام) بين أمرين: الانضمام إلى الجيش السوري الجديد والامتثال لتسلسله الهرمي؛ أو مواجهة الاعتقال (أو ما هو أسوأ) إذا رفضوا التخلي عن الكفاح المسلح المستقل عن الجيش.
وقالت الحكومة الجديدة إنها ستعاقب أي مسلح يخالف الأوامر أو يعرض علاقاتها الخارجية للخطر. وقد أوفت دمشق بوعدها؛ إذ تم دمج معظم الفصائل غير التابعة لهيئة تحرير الشام، سواء كانت سورية أو أجنبية، بما في ذلك الحزب الإسلامي التركستاني، في الجيش النظامي بعد حلها. ودفع المعارضون الثمن؛ ففي يناير 2025، سارعت السلطات إلى سجن مسلح مصري كان قد هدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في إشارة إلى أن سوريا لن تكون منصة لزعزعة استقرار الدول الأخرى.
وقال مسؤول رفيع في وزارة الداخلية السورية لمجموعة الأزمات الدولية (Crisis Group) إن السلطات اتخذت إجراءات أيضاً ضد مجموعات من المقاتلين الأجانب تبين أن من الصعب إدارتها، حيث فرضت قيوداً مشددة على مجموعة فرنسية، وصادرت أسلحتها الثقيلة، وأخضعت معسكرها لسيطرة الدولة. أما جماعة "أنصار الإسلام"، المكونة في معظمها من أكراد العراق، فقد حلت نفسها اسمياً في يناير 2025، لكن أعضاءها رفضوا الاندماج في الجيش، ليصبحوا بذلك أهدافاً للتحالف الدولي لمكافحة داعش بقيادة الولايات المتحدة، والذي قتلت ضرباته الجوية العديد من قادتها في سبتمبر من ذلك العام.
"خدم دمج المقاتلين الأجانب ... غاية الشرع الأكثر ضيقاً المتمثلة في ترسيخ سلطته بين المتمردين السابقين."
كما خدم دمج المقاتلين الأجانب غاية الشرع الأكثر ضيقاً المتمثلة في ترسيخ سلطته بين المتمردين السابقين. فبعض الأجانب، مثل أعضاء الحزب الإسلامي التركستاني، يملكون سجلاً يمتد لعقد من الزمن من التعاون السلس في معظمه مع هيئة تحرير الشام، والأهم من ذلك، أن خياراتهم محدودة خارج سوريا. ومن ثم، فهم يمثلون احتياطياً أكثر موثوقية للقيادة من بعض فصائل المتمردين السوريين السابقين، والتي لا يزال ولاؤها غير مؤكد أو لم يختبر بعد.
وخلاصة القول، إن وضع المقاتلين الأجانب تحت عين الدولة الساهرة بدا أكثر أماناً من أي من البدائل الأخرى، كما بدا خطوة نحو تحقيق الاستقرار في سوريا ما بعد الأسد وتعزيز سلطة الحكومة.
نموذج عملي
أظهرت السلطات، في تطبيقها لنموذج إدلب على نطاق وطني، ثقة في المقاتلين الأجانب، لا سيما وأن اندماجهم الاسمي في الجيش لم يرقَ في كثير من الحالات إلى دمج كامل بعد. فبينما تخلت جميع فصائل المتمردين السابقين، السورية وغير السورية، عن راياتها الخاصة وارتدت الزي العسكري، دخل العديد منها إلى الجيش الجديد ككتل متماسكة، محتفظة بهياكلها القيادية الداخلية.
فعلى سبيل المثال، تحول الحزب الإسلامي التركستاني إلى ثلاثة ألوية تابعة للفرقة 84 المشكلة حديثاً تحت قيادة قائد من الحزب نفسه. وبالمثل، انضمت جماعات أصغر إلى الجيش كألوية أنشئت حديثاً ضمن فرق أكبر، مثل "أنصار التوحيد"، وهو تشكيل مختلط من السوريين والأجانب مستمد إلى حد كبير من تنظيم "جند الأقصى" السابق، والذي دخل الفرقة 82 المنتشرة على الساحل.
كما منح الشرع أدواراً قيادية حساسة لقادة أجانب، ويبدو أنه فعل ذلك لبضعة أسباب. ففي وحدات الجيش ذات الغالبية الأجنبية، مثل الفرقة 84، ساعد الإبقاء على قادة مألوفين في الحفاظ على التماسك الداخلي والانضباط. وتكس تعيينات أخرى سجلات طويلة من القتال إلى جانب هيئة تحرير الشام في إدلب.
على سبيل المثال، عيّن الأردني عبد الرحمن حسين الخطيب (المعروف باسم أبو الحسين الأردني)، وهو شخصية محورية في دمج الفصائل غير التابعة لهيئة تحرير الشام في الجيش الجديد، رئيساً للحرس الجمهوري، وهو تشكيل سوري يعمل كقوة لحماية النظام من الانقلابات؛ كما عيّن التركي عمر محمد جفتشي (المعروف باسم مختار التركي) رئيساً لفرقة دمشق المكلفة بحماية العاصمة.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن المقاتلين الأجانب قد قبلوا بنموذج إدلب؛ إذ كان جميعهم تقريباً قد تخلوا بالفعل عن الأهداف الجهادية خارج سوريا عندما كانوا لا يزالون في إدلب قبل سقوط الأسد. بالنسبة لمقاتلي الحزب الإسلامي التركستاني، يبدو أن سوريا أصبحت هي الأولوية، وهو ما غطى على صراعهم مع الصين.
ويقولون إنهم يقبلون بحكم حكومة الشرع وسيلتزمون بقوانينها وتوجيهاتها. ويلتحق أطفالهم بمدارس الدولة السورية ويتحدثون العربية بشكل أفضل من لغتهم الأم، بينما يرتادون أيضاً مدارس مجتمعية ومراكز ثقافية تدرس لغة الإيغور وتقاليدهم الدينية. ويبدو أن مستقبلهم يتجه نحو الاندماج في المجتمع السوري، مع بعض المراعاة لثقافة الإيغور.
"حتى الآن، امتثل المقاتلون الأجانب إلى حد كبير للتوجيهات العسكرية للحكومة ... وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة."
وحتى الآن، امتثل المقاتلون الأجانب إلى حد كبير للتوجيهات العسكرية للحكومة أيضاً، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. وقال مسؤول رفيع في وزارة الداخلية السورية لمجموعة الأزمات الدولية إن معظم مجموعات المقاتلين الأجانب يمكن السيطرة عليها، واصفاً الحزب الإسلامي التركستاني بأنه "أكثر انضباطاً وتنظيماً وموثوقية" من غيره.
وبالفعل، يتميز الحزب الإسلامي التركستاني بقيادته وسيطرته القويتين؛ فعلى سبيل المثال، في غضون 24 ساعة من سقوط الأسد، انسحب مقاتلو الحزب من دمشق بناءً على أوامر مباشرة من الشرع. وعندما وجهت الحكومة الجديدة الجماعات المسلحة لإعادة الممتلكات التي استولت عليها في إدلب إلى العائلات العائدة التي نزحت إلى أماكن أخرى في سوريا، أخلى مقاتلو الحزب المنازل على الفور حتى في المناطق التي كانوا يعيشون فيها منذ عام 2014 (عندما بدؤوا بالوصول إلى سوريا أول مرة). وفي المقابل، تحدى بعض أعضاء الفصائل السورية غير التابعة لهيئة تحرير الشام والمدعومة من تركيا الأمر نفسه، وبقوا في منازل الأكراد في عفرين التي احتلوها عام 2018، وطالبوا العائلات العائدة بآلاف الدولارات لاسترداد مساكنهم.
ومع ذلك، تبين أن السيطرة على بعض المجموعات كانت أكثر صعوبة. وقال مسؤول وزارة الداخلية في أواخر أبريل إن المجموعات الأوزبكية على وجه الخصوص "تعمل بطرق مفككة تشبه المافيا ويصعب السيطرة عليها".
وأكدت حادثة وقعت في إدلب في 6 مايو وجهة نظره: عندما احتجزت قوات الأمن جندياً أوزبكياً واحداً مجنداً في الجيش اتُهم بإطلاق نار غير مصرح به داخل حدود المدينة، حاصر عناصر مسلحون من وحدته مقر قوات الأمن للمطالبة بالإفراج عنه. ولم تستعد قوات الأمن سلطتها إلا بعد أيام، عندما اعتقلت ستة عشر من المتظاهرين الأوزبك في حملة مداهمات شملت البلدات المجاورة.
البعد الخارجي
تختلف ردود فعل الدول الأجنبية تجاه دمج سوريا للمقاتلين الأجانب، لكنها تشترك في قاسم مشترك: معظمها ينظر إلى الأمر بجرعة قوية من البراغماتية، حتى مع استمرار مخاوفها. ولم تمنع التصنيفات الإرهابية التي لا تزال قائمة الحكومات الأجنبية والهيئات الدولية من التعامل مع السلطات السورية الجديدة. ففي عام 2025، رفعت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة العقوبات عن هيئة تحرير الشام وقادتها، فضلاً عن العقوبات المفروضة على سوريا نفسها. ويبدو أن معظمهم يتقبل فكرة أن الحكومة ستكبح جماح أي جماعة متمردة سابقة تخرج عن الخط.
ومع ذلك، لم تُمحَ كل مخاوفهم؛ إذ يخشى بعض شركاء سوريا الدوليين أن يستغل المقاتلون الأجانب الذين يحظون بحماية الدولة الجديدة الأراضي السورية كقاعدة لشن هجمات في الخارج أو للتجنيد. ويعترض آخرون من حيث المبدأ على دمج منظمات وأفراد مصنفين إرهابيين من قبل الأمم المتحدة في القوات المسلحة لحكومة معترف بها لما يمثله ذلك من سابقة. وثمة مخير ثالث، يشاركه فيه العديد من السوريين، يتعلق بالمدارس والمراكز الثقافية والمؤسسات الدينية المرتبطة بالمقاتلين الأجانب، والتي يمكنها نظرياً نقل الأفكار الجهادية إلى جيل جديد. وتضم إدلب نحو 30 مركزاً ثقافياً إيغورياً تقدم برامج تعليمية تدار إلى حد كبير خارج رقابة الدولة، وتردد أن بعضها يدمج التعليم الديني بالتدريب العسكري.
وربما انعكاساً لهذه الشكوك، لم تكن الحكومات دائماً متسقة تماماً في كيفية تعاملها مع ملف المقاتلين الأجانب. وتعد الولايات المتحدة مثالاً على ذلك؛ فعندما التقى الرئيس دونالد ترامب بالشرع في الرياض في مايو 2025، جعل إخراج جميع "الإرهابيين الأجانب" من سوريا الأولوية الثانية من بين خمس أولويات، وإن كان ذلك دون تحديد هذا المصطلح أو وضع جدول زمني.
ولكن بعد شهر واحد فقط، بدا أن مبعوث ترامب، توم باراك، يبارك تشكيل الفرقة 84، المكونة بالكامل تقريباً من مقاتلي الحزب الإسلامي التركستاني، شريطة أن يتم ذلك "بشفافية". وبذلك بدت الإدارة وكأنها تشير إلى أن دمج المسلحين غير السوريين في الجيش يعد حلاً مؤقتاً مقبولاً.
وقد اتخذ الكونغرس الأمريكي موقفاً أكثر تشككاً؛ ففي ديسمبر 2025، وأثناء إلغاء "قانون قيصر" لعام 2019 الذي فرض عقوبات ثانوية على نظام الأسد والكيان الداعمة له، أدخل المشرعون شرطاً يلزم البيت الأبيض بأن يقر كل 180 يوماً ولمدة أربع سنوات بأن دمشق "تتخذ خطوات لإخراج المقاتلين الأجانب من الحكومة السورية". ولا يحتوي القانون على آلية تفعيل تلقائي للعقوبات (Snapback) — وهي طريقة تتيح للمشرعين إعادة فرض العقوبات إذا وجدوا جهود الحكومة السورية قاصرة — لكنه يعرض دمشق لرقابة الكونغرس بشأن هذه المسألة. كما أنه يتيح فرصاً متكررة للمنتقدين للمجادلة بأن السلطات السورية لم تفِ بالتزاماتها.
"كانت الصين آخر الممتنعين عن إعادة تأهيل هيئة تحرير الشام، وحتى وقت قريب، كانت من أكثر القوى الكبرى انتقاداً لدمج المقاتلين الأجانب."
وكانت الصين آخر الممتنعين عن إعادة تأهيل هيئة تحرير الشام، وحتى وقت قريب، كانت من أكثر القوى الكبرى انتقاداً لدمج المقاتلين الأجانب. فبالنسبة لبكين، يعتبر الحزب الإسلامي التركستاني امتداداً للحركة الإسلامية لشرق تركستان، والتي ترى أنها تشكل تهديداً انفصالياً في منطقة شينجيانغ الصينية. ولم تكن راضية عندما منحت دمشق الحزب مكاناً في جهازها الأمني الجديد.
وأشارت الصين إلى عدم ارتياحها بالامتناع عن التصويت — وهو امتناع منفرد تسعى عادة لتجنبه — على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2799 في 6 نوفمبر 2025، والذي رفع عقوبات الأمم المتحدة عن الشرع ووزير الداخلية أنس الخطاب، وإن لم يرفعها عن هيئة تحرير الشام كمنظمة.
وزار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بكين في الشهر نفسه، حيث تعهد بألا تُستخدم الأراضي السورية لتهديد الأمن الصيني، وفتح مفاوضات تسارعت وتيرتها في أوائل عام 2026. وفي 27 فبراير، وبعد شهر من المحادثات التي قدمت فيها دمشق ضمانات لمكافحة الإرهاب، أسقطت الصين اعتراضها على شطب هيئة تحرير الشام، وبناءً عليه رفعت لجنة العقوبات 1267 التابعة للأمم المتحدة هيئة تحرير الشام من قائمة الأمم المتحدة بالإجماع، مما أنهى آخر تصنيف إرهابي متعدد الأطراف للمنظمة.
وفي أماكن أخرى، يختلف الثقل الممنوح لهذه المسألة؛ فمن بين الدول الأوروبية، حددت فرنسا ودول أخرى التعاون في ملف المقاتلين الأجانب كأولوية في تعاملها مع دمشق، مع إبداء رغبة ضئيلة في استعادة مواطنيها. أما روسيا، ورغم أن مواطنيها يشكلون جزءاً كبيراً من المقاتلين الأجانب في سوريا، فيبدو أنها أثارت القضية كمسألة ثانوية فقط في محادثات مكافحة الإرهاب.
الاعتراضات المحلية
يميل العديد من السوريين إلى امتلاك نظرة أقل تفاؤلاً تجاه المقاتلين الأجانب، وقد شعروا بالقلق لرؤيتهم يحتفظون بأسلحتهم بعد السيطرة على دمشق. بالنسبة للعديد من السوريين العلمانيين، ولأفراد الأقليات الذين تحملوا وطأة العنف بعد زوال نظام الأسد، يجسد المقاتلون الأجانب انزلاقاً إسلامياً سلطوياً يخشونه تحت حكم حكومة الشرع. وقد تباطأت السلطات السورية الجديدة في معالجة هذه المخاوف، وهي مخاوف ليست بلا أساس.
وثمة قلق عام يتجاوز قضية المقاتلين الأجانب الضيقة، ويتعلق ببنية القطاع الأمني المعاد تشكيله. فالقوات المسلحة الجديدة تعتمد بشكل كبير على أفراد ذوي خلفيات في فصائل متمردة، سواء من هيئة تحرير الشام أو من غيرها، ممن تبنوا جوانب من الأيديولوجية الجهادية في وقت ما قبل عام 2024. وقد تم استيعاب عشرات الآلاف من المقاتلين السابقين، سوريين وأجانب على حد سواء، في القطاع الأمني الآخذ في التوسع السريع، مع إجراء عمليات تدقيق محدودة فقط.
ومنذ ذلك الحين، تشتت المقاتلون السابقون، بما في ذلك أعضاء الفصائل المتشددة، عبر جهاز أمني يمتد على مستوى البلاد دون مستوى الرقابة الذي كانت تمارسه هيئة تحرير الشام في إدلب. وكما قال ضابط سوري في مكافحة الإرهاب لمجموعة الأزمات الدولية، فإن المقاتلين الأجانب غالباً ما يكونون أكثر انضباطاً من السوريين لأنه ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه.
وقد أظهرت التجربة بالفعل أنه من الصعب معرفة ما إذا كان شخص معين قد تخلى عن الأفكار الجهادية أم لا يزال متمسكاً بها. ففي هجوم تدمر في ديسمبر 2025، قُتل ثلاثة من العسكريين الأمريكيين الذين يعملون إلى جانب القوات الحكومية السورية على يد عنصر سوري في أجهزة الأمن الوطني يشتبه في صلاته بتنظيم داعش. وأظهر الحادث المخاطر التي يمكن أن تنشأ عندما يتمرد أفراد جهاز أمني بُني في جزء كبير منه من مقاتلي فصائل متمردة. وجاء الهجوم بعد شهر من توقيع الشرع اتفاقية تعاون في البيت الأبيض، ليحتدم النقاش في واشنطن حول مخاطر تسيير دوريات إلى جانب القوات الحكومية السورية.
وتزيد حملة التجنيد المكثفة التي يشنها تنظيم داعش منذ سقوط الأسد من هذه المخاطر؛ إذ يصور التنظيم حكم الشرع البراغماتي ومشاركة سوريا في التحالف المناهض لداعش على أنه ردة. ورغم أنه ليس من الواضح مدى صدى هذه الرسالة لدى الجنود السوريين الجدد، إلا أنها زرعت مخاوف من اختراق مؤسسات الدولة، وانشقاق مقاتلين مدمجين في الجيش وانضمامهم لداعش، وشن هجمات الذئاب المنفردة.
وقد تزداد احتمالات الانشقاق والانضمام إلى داعش إذا بدا أن دمشق تشن حملة قمع ضد المقاتلين الأجانب أو تسلمهم لحكومات من المحتمل أن تعاملهم بقسوة. ولا تشكل هجمات داعش الصغيرة تهديداً لحكم الشرع، لكن البعد الرمزي مهم: فبينما يعد الاقتتال السوري-السوري والعنف الصادر عن المقاتلين الأجانب من مخلفات الحرب الأهلية، فإن الأخير يحمل شحنة سياسية أكبر بكثير؛ فهو يغذي الحجة السامة سياسياً بأن القيادة السورية الجديدة تميز حلفاءها الجهاديين في زمن الحرب على حساب أمن المواطنين العاديين.
وبالفعل، شارك مقاتلون أجانب في أعمال عنف ضد مدنيين سوريين؛ إذ سلطت مشاركة مقاتلين أجانب في قمع تمرد الموالين للأسد على الساحل في مارس 2025، وكذلك انتفاضة الدروز في السويداء في يوليو من ذلك العام، الضوء بشكل صارخ على مشكلة الدمج في القوات المسلحة. وبينما ارتكب السوريون معظم الفظائع، وثقت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة تورط مقاتلين أجانب في انتهاكات ضد المدنيين العلويين على الساحل والمدنيين الدروز في السويداء. وكان المستخلص بالنسبة للعديد من السوريين هو أن السلطات الانتقالية لم تقطع صلتها بالكامل بعد بماضيها الجهادي والطائفي.
وتحسن انضباط الجيش منذ ذلك الحين، كما ظهر في يناير عندما سيطرت دمشق على المناطق التي كانت تسيطر عليها قسد سابقاً في حلب وشمال شرق البلاد مع إلحاق ضرر أقل بكثير بالمدنيين، لكن التصورات لا تزال قائمة عن الجيش باعتباره كتلة غير منضبطة من عناصر تحمل ضغينة تجاه الأقليات الدينية.
طريقة أفضل لإدارة المقاتلين
خيارات دمشق محدودة في التعامل مع المقاتلين الأجانب، وليس لديها في الوقت الحالي حافز يذكر لتغيير نهجها نظراً للاستقرار الذي يبدو أنها عززته. ومع ذلك، فإن الوضع الراهن ينطوي على مخاطر؛ فالحوادث التي يتورط فيها مقاتلون أجانب، في حال تكرارها، ستكون على الأرجح محملة بثقل رمزي هائل، مما يغذي المخاوف من الانزلاق الإسلامي بين العديد من السوريين بينما يمنح المنتقدين في الخارج سبباً للتشكيك في مسار المرحلة الانتقالية ما بعد الأسد.
وتبرز مشاركة المقاتلين الأجانب في الأحداث العنيفة العيوب التي تشوب النموذج الحالي للدمج. وينبغي على العواصم الأخرى، لا سيما واشنطن وبكين والعواصم الأوروبية، مواصلة حث الحكومة السورية على تبني تدابير تقلل من خطر الانشقاقات أو التهديدات الأمنية التي تشمل هؤلاء المقاتلين دون تقويض الإطار الذي نجح، حتى الآن، في إبقائهم تحت السيطرة لدرجة كبيرة.
"ينبغي على دمشق التمييز بين الأدوار القيادية التي تخدم الفعالية العسكرية وتلك القائمة مجرد القائم على الولاء."
وبسبب تحسن الوضع الأمني على وجه التحديد، تمتلك دمشق الآن مساحة لاتخاذ خطوات حذرة. أولاً، ينبغي عليها التمييز بين الأدوار القيادية التي تخدم الفعالية العسكرية وتلك القائمة مجرد القائم على الولاء. ويمكن تبرير الاحتفاظ بقادة أجانب في الوحدات ذات الغالبية الأجنبية مثل الفرقة 84 لأسباب عملياتية، ولكن في الوحدات ذات الغالبية السورية والحساسة بشكل خاص، مثل فرقة دمشق أو المناصب داخل هيئة الأركان العامة، ينبغي في نهاية المطاف استبدال الأجانب بسوريين موثوقين. ويمكن بدلاً من ذلك إعادة تعيين غير السوريين في أدوار عملياتية داخل الوحدات ذات الغالبية الأجنبية، حيث تظل مكانتهم بين المقاتلين ميزة ولا يتسببون في التبعات التي تأتي من قيادة أفراد سوريين.
ثانياً، ينبغي على السلطات اتخاذ تدابير إضافية لضمان عدم استخدام الأراضي السورية للتخطيط لعمليات خارج البلاد، على سبيل المثال من خلال توسيع قنوات الاتصال للاستفسارات المتعلقة بمكافحة الإرهاب من الخارج. وينبغي عليها الاستمرار في اتخاذ إجراءات صارمة ضد المقاتلين الأفراد، أجانب أو سوريين، الذين يخالفون القواعد.
ثالثاً، لمعالجة المخاوف بشأن انتشار الأيديولوجية الجهادية إلى جيل جديد، يمكن لدمشق إخضاع المؤسسات المدنية المرتبطة بالمقاتلين الأجانب لرقابة الدولة المباشرة. إن نقل المدارس والمراكز الثقافية التي يديرها الحزب الإسلامي التركستاني إلى وزارة التربية ومؤسسات الدولة المناسبة الأخرى، مع اشتراط مواءمة المناهج وإزالة مكونات التدريب العسكري، من شأنه أن يمد سلطة الدولة مع الحفاظ على الحياة المجتمعية لعائلات الإيغور في سوريا. وقد أبدى قادة الحزب استعداداً لبرول مثل هذا الترتيب. ويوفر مسعى الحكومة لتوحيد المناهج الدراسية في جميع أنحاء سوريا بالفعل إطاراً مؤسسياً لمثل هذه الخطوة.
رابعاً، يمكن لدمشق إصلاح قانون الجنسية للسماح للمرأة السورية بمنح الجنسية لزوجها وأطفالها الأجانب، وهو حق يقتصر حالياً على الرجال. ومن شأن هذا الإصلاح أن يعالج مشكلة تمييز بين الجنسين طال أمدها. وكنتيجة ثانوية، سيفتح أيضاً مساراً قانونياً لتجنيس العدد الكبير من المقاتلين الأجانب الذين تزوجوا من ساء سوريات، أو على الأقل أطفالهم، شريطة أن يخضعوا للتدقيق المناسب والتسريح (باستثناء أولئك المدمجين بالفعل في الجيش، والذين سيظلون يواجهون التدقيق ولكن الخدمة المستمرة تحل لديهم محل التسريح). وينطوي هذا النهج على مخاطر أقل بكثير لإثارة غضب الجمهور من توزيع جوازات السفر كمكافأة على الخدمة في زمن الحرب.
وعلى المدى الأطول، ينبغي على السلطات تخفيف التشكيلات العسكرية الأجنبية تدريجياً ودمج الأفراد في وحدات مختلطة مع استمرار تحسن الأمن، على أن يكون الهدف اللاحق هو التسريح الأوسع أو إعادة الإدماج المدني. ومع اتخاذ خطوات تدريجية من قبل دمشق ووجود توقعات مدروسة من شركائها، لا يجب أن تصبح قضية المقاتلين الأجانب عقبة رئيسية أمام إعادة الانخراط الدولي الأوسع لسوريا.
تعليقات الزوار