مضيق هرمز بين الصواريخ وحسابات الأسواق.. عندما تصبح المخاطر أقوى من القوة العسكرية
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على الضربات العسكرية أو استهداف المنشآت العسكرية، بل انتقلت إلى ساحة أكثر حساسية وتأثيراً، تتمثل في ثقة الأسواق العالمية بمستقبل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم.
فبينما تؤكد واشنطن أن عملياتها العسكرية تهدف إلى ضمان حرية الملاحة وإبقاء المضيق مفتوحاً، يرى محللون أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإقناع شركات الشحن والتأمين وأسواق الطاقة بأن المرور عبر المضيق بات آمناً، وهو ما يجعل الحرب تتحول تدريجياً إلى "حرب على المخاطر الاقتصادية" أكثر من كونها مواجهة عسكرية تقليدية.
الثقة.. الحلقة المفقودة
يرى الكاتب الأمريكي ترافيس لينش أن الإدارة الأمريكية تستطيع إرسال حاملات الطائرات، وإطلاق الصواريخ، وإعلان نجاح عملياتها، لكنها لا تستطيع إلزام شركات التأمين أو ملاك السفن أو أسواق الطاقة بالاعتقاد أن مضيق هرمز أصبح آمناً.
ويشير إلى أن المضيق لا يُعد مفتوحاً عملياً إلا عندما تستمر السفن التجارية بالعبور بصورة طبيعية، وتحافظ شركات التأمين على تغطية المخاطر، ويقتنع المتعاملون في أسواق الطاقة بوصول الشحنات في مواعيدها، دون خشية من التعرض لهجمات أو تعطيل.
الأسواق تقيس الاحتمالات لا التصريحات
وبحسب التقرير، فإن الأسواق العالمية لا تتفاعل مع التصريحات السياسية بقدر ما تعتمد على تقييم احتمالات الخطر. فكلما ارتفعت احتمالات الهجمات أو الاحتجاز أو سوء التقدير العسكري، ارتفعت تلقائياً كلفة النقل البحري وأقساط التأمين.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة رويترز عن شركات متخصصة بالتأمين البحري أنها رفعت مستوى المخاطر في مضيق هرمز إلى مستوى "مرتفع جداً"، بعد سلسلة الهجمات الأخيرة، كما أوصت بعض شركات التأمين مالكي السفن بإعادة تقييم رحلاتهم عبر المضيق.
مضيق مفتوح... اقتصادياً نصف مغلق
ورغم استمرار بعض ناقلات النفط والغاز الطبيعي في استخدام المضيق، إلا أن شركات شحن عدة بدأت بتقليل الحركة أو إبطائها، فيما عمدت بعض السفن إلى إيقاف أنظمة التتبع الآلي (AIS)، وهو مؤشر يراه الخبراء أكثر أهمية من التصريحات الرسمية بشأن أمن الملاحة.
ويؤكد التقرير أن استمرار هذا السلوك يعني أن الأسواق لم تقتنع بعد بالرسائل الأمريكية حول استعادة الردع، وأن المضيق قد يبقى مفتوحاً عسكرياً، لكنه يتحول عملياً إلى ممر مرتفع الكلفة اقتصادياً.
استراتيجية إيرانية تقوم على رفع كلفة العبور
ويرى الكاتب أن إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل أو مواجهة البحرية الأمريكية مباشرة، بل يكفيها تحويل المرور عبر هرمز إلى قرار مكلف ومحفوف بالمخاطر.
فمجرد زيادة الشكوك حول أمن الملاحة يؤدي إلى ارتفاع أسعار التأمين والشحن، وتأخير وصول الإمدادات، وارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما ينعكس لاحقاً على أسعار الوقود والنقل وسلاسل التوريد العالمية.
تداعيات تمتد إلى الاقتصاد الأمريكي
ويحذر التقرير من أن آثار الأزمة لن تبقى محصورة في الخليج، بل ستصل إلى المستهلك الأمريكي عبر ارتفاع أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات وتكاليف النقل، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم وأسعار السلع.
ويرى أن أي عملية عسكرية توصف بأنها "محدودة" أو "دفاعية" تتحول في حسابات الأسواق إلى سؤال واحد: ما حجم المخاطر في مضيق هرمز، ومن سيتحمل كلفة العبور؟
القوة العسكرية لا تصنع الطمأنينة
ويخلص التقرير إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك القدرة على توجيه ضربات عسكرية مؤثرة، لكنها لم تعد تمتلك القدرة نفسها على استعادة الثقة الاقتصادية والنفسية في الأسواق.
فالقوة العسكرية قد تدمر أهدافاً، لكنها لا تستطيع إجبار شركات التأمين على تجاهل المخاطر، أو إقناع مالكي السفن بأن المضيق عاد ممراً آمناً بصورة كاملة.
ويشير إلى أن استمرار تردد الأسواق، وارتفاع تكاليف التأمين، وبطء حركة السفن، يعني أن الصراع انتقل من ساحة المعركة إلى ميزانيات شركات الشحن والتأمين وأسواق الطاقة العالمية، حيث أصبحت تكلفة المخاطر هي العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الملاحة عبر مضيق هرمز.
ويرى الكاتب أن هذه التطورات تضع واشنطن أمام تحدٍ جديد يتمثل في استعادة الثقة الاقتصادية، وليس فقط تحقيق التفوق العسكري، لأن نجاح العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة عودة الاستقرار إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
تعليقات الزوار