ماذا يعني تعليق الإمارات تجارتها مع إيران؟
أبوظبي – يضع قرار دولة الإمارات تعليق أنشطتها التجارية ومعاملاتها المالية مع إيران حتى إشعار آخر، العلاقات الاقتصادية بين البلدين أمام واحدة من أصعب مراحلها، وسط تصاعد التوترات الأمنية في الخليج ومخاوف من انعكاس القرار على الأسواق الإيرانية وشبكات التجارة الإقليمية.
وجاء القرار عقب اتهام الإمارات لإيران بإطلاق صاروخين باليستيين استهدفا الملاحة البحرية وسقطا في البحر، وهي اتهامات نفتها طهران ووصفتها بأنها غير صحيحة.
ويمثل القرار تحولاً مهماً في السياسة الإماراتية تجاه إيران، بعدما حافظت أبوظبي خلال الأعوام الماضية على قنوات دبلوماسية وتجارية مع طهران، بالتزامن مع إدارة الخلافات الأمنية والسياسية بين الجانبين.
وتكتسب الخطوة أهميتها من الدور الذي تؤديه دبي بوصفها إحدى أبرز بوابات إيران إلى الأسواق العالمية. فمن خلال ميناء جبل علي والمناطق الحرة وشركات الشحن والصرافة، تمكن التجار الإيرانيون لسنوات من استيراد السلع وتسوية المدفوعات والوصول إلى شركاء دوليين رغم العقوبات المفروضة على طهران.
وبحسب بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2024، كانت الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد الصين، وأكبر مصدر لوارداتها، إذ استحوذت على نحو 30.6% من إجمالي الواردات الإيرانية، كما جاءت في المرتبة الثالثة بين وجهات الصادرات الإيرانية.
وتختلف تقديرات حجم التبادل التجاري بين البلدين بصورة ملحوظة. ففي حين تشير بيانات إماراتية مقدمة إلى الأمم المتحدة إلى تجارة مسجلة بقيمة تقارب 6.6 مليارات دولار عام 2024، تضع البيانات الإيرانية إجمالي المبادلات عند أكثر من 28 مليار دولار.
ويعود هذا التفاوت إلى طبيعة تجارة إعادة التصدير عبر دبي والمناطق الحرة، فضلاً عن اختلاف طرق تسجيل منشأ البضائع وقيمتها الجمركية والفترات الزمنية المشمولة بالإحصاءات.
ولا يقتصر تأثير القرار على حركة البضائع، إذ يعتمد عدد كبير من المستوردين والمصدرين الإيرانيين على مكاتب الصرافة وشبكات التحويل في الإمارات لتنفيذ مدفوعاتهم بالدرهم، في ظل محدودية اتصال المصارف الإيرانية بالنظام المالي الدولي.
ومن شأن تشديد القيود على هذه الشبكات أن يرفع تكاليف التجارة ويضغط على سعر الريال الإيراني، حتى بالنسبة إلى السلع التي لا تمر مباشرة عبر الموانئ الإماراتية.
ويتوقع أن تكون المواد الغذائية والأدوية والإلكترونيات وقطع غيار السيارات والأعلاف من بين القطاعات الأولى التي تتأثر. وقد تتمكن إيران من توفير هذه السلع عبر دول أخرى، إلا أن طول مسارات النقل وزيادة أعداد الوسطاء سيؤديان إلى ارتفاع الأسعار وتكاليف الإنتاج.
وتملك طهران خيارات بديلة تشمل تركيا والعراق وعُمان وباكستان ودول آسيا الوسطى، غير أن هذه المسارات لا توفر مجتمعة المزايا التي تتمتع بها دبي، ولا سيما القرب الجغرافي وكفاءة الموانئ والخدمات المالية ووجود شبكة كبيرة من رجال الأعمال الإيرانيين.
في المقابل، قد تتكبد شركات إماراتية تعمل في الشحن والتخزين وإعادة التصدير والصرافة خسائر نتيجة توقف التعاملات. لكن اتساع الاقتصاد الإماراتي وتنوعه يجعلان قدرته على استيعاب الأضرار أكبر من قدرة الاقتصاد الإيراني.
ويرى محللون أن القرار يعكس انتقال أبوظبي من سياسة احتواء التوتر إلى توظيف ثقلها الاقتصادي للضغط على طهران. ومع ذلك، يرجح أن تفرض الروابط الجغرافية والتجارية التاريخية على الطرفين البحث مستقبلاً عن صيغة لاستعادة جزء من العلاقات الاقتصادية، إذا تراجعت التوترات وتوافرت ضمانات أمنية.
ويبقى حجم الضرر النهائي مرتبطاً بمدة تعليق التجارة، ومدى صرامة تنفيذه، وقدرة إيران على إيجاد مسارات بديلة للسلع والمدفوعات، فضلاً عن التطورات السياسية والأمنية في الخليج ومضيق هرمز.
تعليقات الزوار